عبد الله الأنصاري الهروي
201
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
متوكّلا أيضا بطريق المجاز ، لكن توكّله مع معرفة أنّ التوكّل دون مقامه ، وأنّه لا يجوز له التوكّل بالتّفسير الذي ذكر في الدّرجتين الأوليين ، فإنّ ذلك التوكّل فيه علّة ، وهو سالم من تلك العلّة ، وتلك العلّة هي أن يرى المتوكّل أنّ له شيئا ، وأنّه وكلّ الحقّ تعالى فيه ، وأنّ الحقّ تعالى صار وكيله عليه ، وهذا مخالف لحقيقة الأمر ، إذ ليس لأحد من الخلق مع اللّه تعالى شيء ، فإذا صاحب الدّرجة الثالثة لمعرفته بالحقيقة ، وإنّه ليس له من الأمر شيء هو خالص من تلك العلّة المذكورة ، فتوكّله يكون مع معرفة التوكّل ، وأين يصحّ ، وما حقيقته ؟ فهو فيه مخلّص من علّته ، وهذا هو معنى قوله : النّازعة إلى الخلاص من علّة التوكّل . قوله : وهو أن يعلم أنّ ملكة الحقّ تعالى الأشياء هي ملكة عزّة ، العزّة هي الامتناع ، يعني أنّ الحقّ تعالى منع أن يشارك في ملكه ، فهو العزيز في ملكه تبارك وتعالى . قوله : لا يشاركه فيها مشارك فيكل شركته إليه ، أي لا يشاركه في العزّة ولا في الأشياء مشارك ، فلسان الحال يقول لمن يجعل الحقّ تعالى وكيله : في ما ذا وكّلت ربّك تبارك وتعالى ؟ إن وكلت الأمر فيما هو له ، فالأمر هو له قبل أن تكل الأمر إليه ، وإن وكلت إليه ما هو لك ، فليس لك من الأمر شيء ، وهو معنى قول الشّيخ : لا يشاركه فيها مشارك فيكل شركته إليه . / قوله : فإنّ ضرورة العبوديّة أن يعلم العبد أنّ الحقّ هو مالك الأشياء وحده ، أي حقيقة العبوديّة التي هي عبوديّة صحيحة بالضرورة أن يشهد العبد أنّ الحقّ لا غيره هو مالك الأشياء ، وإن لم يشهد ذلك ، فهو من أهل الحجاب ، ونصيبه أن يعمل بمقام التوكّل على مقتضى وصف العامّة ، فإنّ له فيه سعادة كبيرة ، وقد تقدّم شرح ذلك .